مساحة للاختلاف

«التراث الإسلامي» بين همجية محاكم التفتيش ومحاولات التقديس

لن أقف موقف المفتي، والمنظر في تعريف «التراث»، فهي قضية قد قتلت بحثًا ومن كبار المفكرين، والمثقفين، والباحثين في شتى أنحاء العالم، وعلى مر العصور.

ولكن يجدر بي وأنا اجتهد لنفسي في الوصول لحالة توفيق بين الآراء، وتحقيق مبدأ الانحياز للحق، والعدل، وصالح الوطن، والمواطنين، الذين يتعرضون هذه الأيام لعمليات استقطاب من جانب فريقين متصارعين، أحدهما مع «التراث الإسلامي»، والآخر ضد هذا «التراث».

وخاصة أن كل فريق وهو يحاول استمالة عامة المواطنين للانحياز لمعسكره لا يبذل أي جهد لتعريفهم بأبعاد هذه القضية أساسًا.

أشهر تعريفات مصطلح «التراث»

لذا أبدأ مقالتي بنقل أشهر التعريفات لمصطلح «التراث» كما تتداولها الموسوعات العلمية ومنها:

  • التراث هو كل الناتج الثقافي للإنسانية أو للأمة أو لشعب من الشعوب على نطاق عالمي أو محلي.
  • هو خلاصة ما خلَفته (ورثته ) الأجيال السالفة للأجيال الحالية.
  • هو ما خلفه الأجداد ويستقي منه الأبناء الدروس ليَعبُروا بها من الحاضر إلى المستقبل.
  • التراث في الحضارة بمثابة الجذور في الشجرة، فكلما غاصت وتفرعت الجذور كانت الشجرة أقوى وأثبت وأقدر على مواجهة تقلبات الزمان.
  • ومن الناحية العلمية هو علم ثقافي قائم بذاته يختص بقطاع معين من الثقافة (الثقافة التقليدية أو الشعبية) ويلقي الضوء عليها من زوايا تاريخية وجغرافية واجتماعية ونفسية.
  • التراث هو مجموعة كاملة من التقاليد الموروثة، والآثار، والثقافة، وما ينبثق عنها من أنشطة معاصرة، حيث يُمثّل التراث بشقّيه الملموس وغير الملموس جزءً أساسياً من الحاضر المُعاش، والمستقبل الذي سيتمّ بناؤه، حيث إنّ التراث ينتقل من جيل إلى جيل آخر.

وللتراث أنواع كثيرة منها التراث الإنساني وهو ما تشترك فيه كل الناس ومنها التراث القومي الذي يخص أمة من الأمم والتراث الشعبي الذي يخص فئة من فئات الأمة.

التراث الإسلامي - التراث الديني - التراث الإنساني

التراث الإنساني والتراث الديني

ولا تعتبر الكتب والشرائع السماوية تراثا إنسانيًا، ولكن ما ينبثق عنها من تفسيرات وآراء وأفكار وعلوم بفعل العنصر البشري، كلها تعتبر «تراثًا» ويطلق عليه مصطلح «التراث الديني».

وبتعدد الديانات يتعدد التراث الديني ، فلكل ديانة تراثها المنقول خلفا عن سلف، وكل جيل له إسهاماته في تراثه، سواء بالاضافة أوالتطوير.

كما يدور بين أتباع كل ديانة صراع في تحقيق وفهم وتفسير تراثهم ذاته، فلا يتفق اتباع الديانة الواحدة على تراثا واحدًا.

ولم يخل «التراث» الذي أنتجه كل جيل من أجيال أمة ذات دين واحد وأضيف لتراث الأجيال السابقة عنها، من جيد ورديء، وغث وسمين، وطيب وخبيث، ومنها ما دس علي التراث دسا لإفساده ولإثارة الفتن بين متداوليه..

لأن هناك اختلافات نفسية بين الناس في النوايا والأهداف، واختلافات عقلية في مستويات الفهم والوعي والإدراك..

فقد ينتج عن أحد متداولي التراث نتاجا إيجابيا مفيدا، وينتج عن آخر نتاجا سلبيا ضارا.

وكلا الإنتاجين سيصبحان جزاء من التراث العام بخيره وشره.

وفيما يخص «تراثنا» المسمى إصطلاحا بـ «التراث الإسلامي» فينطبق عليه نفس المبادئ، فلا يمكن بحال القول أن هناك مادة تراثية واحدة تلتف حولها الأمة الإسلامية ذات «المليار و800 مليون إنسان» لا أمس، ولا اليوم، ولا حتى غدًا.

كما أن فيه الجيد والرديء، وفيه الغث والسمين، وفيه الطيب والخبيث.

التراث الإسلامي في الميزان

وكما أن التراث الإنساني عامة مادة شيقة للاطلاع والبحث، ولا يقبل أحد أن يفرض على أي إنسان حجرا في التعامل معه والاطلاع عليه، فإن الأمر كذلك بشأن «التراث الإسلامي».

و«التراث الإسلامي» حكمه حكم التراث الإنساني كله، لا يمكن الحجر عليه، ولا وضعه في قفص الاتهام في «محاكم التفتيش» ذات الأحكام المسبقة بـ “بحرقه، ونسفه،” جملة وتفصيلا، ولا أن تلاحق متداوليه لتصرفهم عنه ولو بالقتل، والحرق المادي، أوالمعنوي.

وفي نفس الوقت فهو مادة متاحة للنقد والقبول والرفض، ولا يحق لفصيل أن يكبت حرية الآخر في ذلك، وإن كان لابد من من ضوابط، فهي الضوابط المنهجية العلمية والموضوعية.

ومن العجيب أن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهما المصدرين التشريعيين الأصليين للإسلام، والمسلمين قد تضمنا على نصوص مقدسة كثيرة تؤكد على أن أي انتاج بشري حولهما سواء كان فهم، أو تفسير، أو رأي فقد يتضمن حقا، وقد يتضمن باطلا، وقد يتضمن خيرا، وقد يتضمن شرا.

كما نص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة على حق النقد والتنقيح بل والرفض لما يصدر حولهما من انتاج بشري مهما بلغت مكانة أو منزلة أو مستوى هذا البشر.

وسبق أن قام بمثل هذه الإجراءات النقدية للتراث الإسلامي مئات المستشرقين القدامى والمحدثين، وانتج الكثيرون منهم مواد علمية إيجابية تعتبر إضافة إيجابية للتراث الإسلامي.

وكثير منهم هام حبا بهذا التراث، حتى انهم ذابوا وانصهروا في الامة، ودانوا بدينها رغم أن هؤلاء المستشرقين، كانوا بدأوا رحلاتهم البحثية في التراث الإسلامي بأهداف عدائية، لاستكشاف ما فيه من أخطاء، وتناقضات، وجوانب ضعف لاستخدامها في التشنيع بالدين ذاته، والتشكيك فيه ضمن الحروب الأوروبية على المشرق العربي، والاسلامي في العصور الوسطى، والتي كانوا يصبغونها بالصبغة الدينية.

وخلاصة القول، لا لدعوات التعامل مع التراث، أي تراث ومنها «التراث الإسلامي» بمنهج محاكم التفتيش، ولا للتعامل معه كمادة مقدسة لا يمكن الاقتراب منها بالنقد.

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺
صلاح هزاع
الوسوم
اظهر المزيد

صلاح هزاع

صلاح الدين أحمد هزاع .. أخصائي خبير في الإعلام والصحافة

☺ تعليقك يسعدنا.. فشارك به! ☺

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: